· رمضان هنا في الجزائر بلد المليون ونصف المليون شهيد لا يختلف من حيث الشكل العام عما نعيشه في يمننا الحبيب , إلا ان لكل مجتمع عادات ومميزات تلقي بظلالها على الشهر الفضيل , هذا ما لاحظته , فالجدية في أداء الأعمال للقطاعين العام والخاص , فساعات الدوام هنا لا يتم تخفيضها إلا لساعة واحدة , فيبدأ اليوم الوظيفي في تمام التاسعة صباحا وحتى الرابعة عصرا, ولا ينطبق ذلك فحسب على الموظفين بل هو الحال لباعة المحال التجارية والأسواق , فهم يفتحون محالهم التجارية وأسواقهم مع طلوع الشمس وحتى غروبها , بحيث تقفل الأسواق تماما في الليل ويبقى النهار هو الوقت المحدد لقضاء الحاجات .
· من ناحية البيع والشراء فلا يختلف الحال عما لدينا في اليمن فيزيد الطلب على المواد الغذائية خصوصا تلك المتعلق منها بأنواع اللحوم وأصناف الحلويات المختلفة , وقبل بداية الشهر الكريم بأسبوع شهدت الأسواق ارتفاعا حادا للأسعار مما حذا بالحكومة الى استيراد أطنان من اللحوم الأمر الذي أعاد سعر اللحم الى وضعه السابق حوالي 6 دولارات للكيلو الواحد , وشهدت الأسواق كذلك انتشار فرق المراقبة والتي على ضوئها نقصت الأسعار بصورة ملحوظة .
· مع بداية رمضان المعظم لفت نظري تصريح الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفلقة عندما قال لا أريد للجزائريين ان يتفرغوا في رمضان سوى للصيام والقيام , وهذا ما شاهدته فالصوم فريضة يقدسه الجزائريون كثيرا وتجد ذلك جليا من خلال التزاور بين الأهل مع انطلاق الشهر , وتجد المساجد تمتلئ بالمصلين لصفوف كثيرة حتى أنهم يفترشون الطرقات في صلاة التراويح لاسيما مع فترة الأمن التي تعيشها الجزائر في السنوات الأخيرة , ومن خلال تنقلي بين مساجد عديدة وجدت ان كل المساجد يختمون المصحف بروايتي ورش وقالون عن نافع ويقرؤون جزء وثلث في كل ليلة تقرأ في ثمان ركعات بحث تتميز الركعات بطول فترة الوقوف ,وفي الليالي التالية بعد الختم الأول يبدؤون بالقراءة في صلاة التراويح من أول المصحف, وعلى مدى ساعتين لا تجد أحدا يغادر المسجد قبل فراغ الإمام من الصلاة كاملة , وهذا هو الحال لصلاة التهجد والتي تبدأ هنا في الجزائر من الليلة العشرين بحث يؤدون عشر ليالٍ كاملات تحسبا لعدم تمام الشهر , ويتخلل صلاة التراويح الدروس الدينية التي تعرف بالشهر وآدابه وفضائله وما من الله على المسلمين فيه , ولا تفتح مكبرات الصوت إلا لرفع الأذان فحسب تجنبا لإزعاج المرضى.
·
· الدروس المحمدية هي الشأن البارز في الجزائر حيث تقيم زوايا الطرق الصوفية وعلى رأسها زاوية الشيخ عبد اللطيف بلقايد في ولاية وهران دروسا يومية يستضيف فيها كل يوم شخصية إسلامية كبيرة من العالم الإسلامي , وشارك من بلادنا الشيخ عمر بن حفيظ , وتنتشر في رمضان المسابقات الخاصة بحفظ القرآن الكريم للذكور والإناث في كل المساجد تحت إشراف وزارة الشؤون الدينية , ويتجلى الاحتفال بالقرآن الكريم في ليلة القدر التي يحضرها رئيس الجمهورية في الجامع الكبير بساحة الشهداء بالعاصمة الجزائر , والملاحظ ان المساجد تكتسي حلة بهية مع إطلالة رمضان وإعادة طلائها وتزينها بالمصابيح الملونة.
· يخص الجزائريون ليلة القدر المصادف ليوم السابع والعشرين من شهر رمضان بعادات خاصة, هذا لما له من فضل ديني كبير حيث يكثر المسلمون فيه من الذكر والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والدعاء تقربا إلى الله تعالى كما يعكف الأولياء على عملية الختان أو ما يعرف عند العامية ب "الطهارة" أبنائهم في هذا اليوم المبارك في جو احتفالي بحضور الأقارب والأحباب لمشاركتهم أجواء الفرحة ,
و تحضر بهذه المناسبة أشهى الأطباق والحلويات وترتدي فيه النساء أجمل الألبسة التقليدية كالكاراكو وتخضيب الأيادي بمادة الحناء كما تفرش المنازل بأبهى وأجمل الأفرشة .
· الزكاة هنا في الجزائر لا يتم توزيعها في رمضان بل في بداية شهر الله المحرم على اعتبار انقضاء سنة هجرية كاملة لمن حال عليه الحول , وما لاحظته أنها تعطى للأمة في المساجد التي تتولى تحصيلها وتوريدها للحساب المركزي للدولة .
· ويتم الاحتفال بإتمام الأطفال لأول يوم في الصيام و يكون حسب ما جرت به العادة ليلة النصف من رمضان أو ليلة 27 منه إعداد مشروب خاص يتم تحضيره بالماء والسكر والليمون مع وضعه في إناء (مشرب) بداخله خاتم من ذهب أو فضة من أجل ترسيخ وتسهيل الصيام على الأبناء مستقبلا ,علما أن كل هذه التحضيرات تجري وسط جو احتفالي ,بحضور الوالدين والجد والجدة وأفراد آخرين من الأسرة والأقارب, وهذا تمسكا بعادات وتقاليد أجدادهم والسير على درب السلف .
· مائدة الإفطار الجزائرية عامرة بالمأكولات العديدة بحيث تتفنن ربات البيوت في إعداد مختلف أنواع المأكولات التي تتزين بها المائدة ساعة الإفطار .كما يمكن ملاحظة ظاهرة إيجابية تميز العائلة الجزائرية وتعبر عن أواصر التكافل والترابط الاجتماعيين وهي تبادل النساء مختلف أنواع المأكولات بغرض تجديد محتويات موائد الإفطار يوميا. ولا يقتصر مطبخ العائلة الجزائرية على الأطباق التي تميز المنطقة التي تنتمي إليها العائلة بل تشمل أيضا كل أصناف وأنواع الأكلات التي تميز مائدة رمضان في مختلف أرجاء القطر الجزائري ف "الشربة" كما تسمى في الوسط و"الجاري" الشرق الجزائري أو "الحريرة" المشهورة في غرب الوطن تعتبر من الأطباق الضرورية التي لا يمكن أن تخلو منها أي مائدة في هذا الشهر و تتنوع الأطباق الأخرى حسب أذواق ربات البيوت ,كما لا يقتصر تحضير العائلة الجزائرية لمائدة الإفطار فحسب إنما يتم كذلك إعداد أو شراء مختلف المقبولات والحلويات التي تجهز خصيصا لسهرات رمضان وبهذه المناسبة تتحول جُل المطاعم والمحلات التجارية لبيع قلب اللوز والزلابية والقطائف والمحنشة وغيرها من الحلويات .
·
· تبدو مظاهر السرور والابتهاج بمقدم شهر رمضان لدى الأطفال في الشوارع، وإن كان معظمهم لا يصومون، وإنما يحتفلون بشهر تكثر فيه الحلوى وتقل فيه الشكوى، وتجود به الأيدي بالنقود والعطايا والهبات , يتحلق الأطفال في الشوارع والساحات العامة، ممسكين أيادي بعضهم يؤدون رقصة شعبية، رافعين أصواتهم بأناشيد ترحب بقدوم الشهر الحبيب؛ كما يرددون بعض الأهازيج التي تتوعد المفرّطين، مثل: "يا واكل رمضان يا محروق العظام". ويسمح للأولاد - على غير المعتاد - بالخروج ليلاً في رمضان، والبقاء خارج المنزل حتى وقت متأخر لمزاولة احتفالاتهم وألعابهم وأناشيدهم، وهم في غير رمضان لا يسمح لهم بالخروج من منازلهم بعد المغرب.
*باحث دكتوراه بالجزائر